محمد أبو زهرة
253
المعجزة الكبرى القرآن
الْخالِقِينَ ( 14 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ ( 16 ) وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ ( 17 ) [ المؤمنون : 12 - 17 ] . ومن هذا نرى أن التعريف بالإنسان في خلقه ابتداء دليل على بعثه انتهاء ، ألم تر أن اللّه سبحانه وتعالى ذكر أنه خلقه علقة ومن العلقة مضغة ومن المضغة عظاما ثم كساها لحما ، ثم أماتها ، ومن الطبيعي أن يكون قادرا على الإحياء ، لأن الإنشاء على غير اللّه أصعب من الإعادة ولا صعوبة على اللّه تعالى في إنشاء ، ولا إعادة . ومن تعريف بعض المحرمات يستبين تحريمها ، والأمر القاطع بالتحريم ، ومن ذلك قوله تعالى في تحريم الخمر : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 92 ) [ المائدة : 90 - 92 ] . ونرى من هذا أن التحريم الثابت بالنص ذكر أوصاف الخمر وبيان ذاتها وما يترتب عليها ، لمعرفة حكمة تحريمها ، فذكر تعريفها بالحد والرسم ، أما التعريف بالحد فبيان ذاتها بأنها مع أخواتها من الميسر ، والذبح على النصب ، هو التعريف بالحد ، وهو ذكر الذات ، بذكر جنسها وفصلها ، وأما ذكر هذا التعريف بالرسم ، فهو ذكر ما يترتب على الشرب من وقوع العداوة والبغضاء والصد عن الصلاة وعن ذكر اللّه تعالى ، فهي لهو لتزجية الفراغ بما فيه الصد عن ذكر اللّه وعن الصلاة ، والانغمار في اللهو الفاسد . 2 - الاستدلال بالتجزئة 144 - إن تذكر أجزاء الموضوع ، وبتتبعها يكون إثبات الدعوى ، ومن ذلك أن المقرر الثابت بالبديهة الذي لا مجال للريب فيه الحكم بأن الأثر يدل على المؤثر ، وأن الكون يدل على خالقه ، وأن القوى البشرية والعقول المستقيمة تقر بأن الخالق لهذا الكون صغيره وكبيره قوة واحدة ، وهي قوة اللّه سبحانه وتعالى . وقد كان القرآن يذكر ذلك في آياته الحكيمة أحيانا مجزأ وأحيانا غير مجزأ ، ومن الاستدلال بالتجربة قوله تعالى : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ( 59 ) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ( 60 ) أَمَّنْ جَعَلَ